المهندس الزراعي الموريتاني.. الواقع والآفاق / محمد الامين ولد محمد المصطفى

المهندس الزراعي الموريتاني.. الواقع والآفاق / محمد الامين ولد محمد المصطفى

لقد كانت مهنة المهندس الزراعي “agronomie” معروفة قبل مجيء الكتابة، وتم تناقل المعارف الزراعية من الأب إلى الابن، وكلمة “مهندس زراعي” مأخوذة من الكلمات اليونانية “agros” و “nomos”، والمهندس الزراعي هو الأخصائي الأكثر أهمية في الزراعة على اعتبار القاعدة العامة التي تقوم عليها السياسة الزراعية ” باحثٌ في التطوير – مهندسٌ في التخطيط – فنيٌ في التنفيذ”.

فالمهندسون الزراعيون يطبقون معارف ومهارات الهندسة الزراعية لحل المشاكل المتعلقة بالإنتاج الزراعي المستمر، ويؤدون أعمال التصميم الزراعي وتصميم الآليات، والأجهزة الزراعية، ويقومون بمهام التخطيط والإشراف، ويديرون إنتاج الخطط، كخطط معامل التقشير والألبان.. والري والتصريف.. وصيانة التربة وحفظ الماء، ويعمل المهندسون الزراعيون على تقدير التأثيرات البيئية، ويترجمون نتائج البحث ويطبقونها، وكذلك يعملون على تحسين ومعالجة المنتج الزراعي بصفة عامة.

فإذا قمنا بتلخيص جميع واجبات المهندس الزراعي ومهامه فهي توفير الاكتفاء الذاتي الوطني، وبشكل أعم إطعام سكان الكوكب، الذي ينمو عاماً بعد عام. وفي الوقت ذاته للفنيين الزراعيين دور لا يستهان به في تنفيذ تلك البرامج والخطط الزراعية التي يُعِدّها الخبير والمهندس الزراعي فهم الساعد الأيمن له.

إن وظيفة المهندس الزراعي مصنفة عالميا من المهن ذات الدخل المرتفع، والطلب المتزايد، وذلك مع التطبيق المحكم للشفافية، وكذلك الصرامة في منح تراخيص مزاولة المهنة مع الكثير من الشروط، لحفظ قيمة المهنة والمؤهل الزراعي العلمي، لضمان الاستفادة القصوى من المهندس الزراعي، وحمايته من استغلال القطاع الخاص. وهذا عكس ما عليه الحال في البلدان النامية، وبشكل خاص الصورة القاتمة التي يعيشها المهندس الزراعي في بلدنا موريتانيا.

يصل متوسط دخل المهندس الزراعي في الدول المتقدمة حدود 2 مليون أوقية قديمة في الشهر، بينما يصل المتوسط في البلدان العربية وموريتانيا حدود 150 ألف قديمة. هذا مع عدم الوعي لدينا في القطاع الخاص الموريتاني بأهمية المهندس الزراعي، وعدم وجود استراتيجية واضحة لدى الأنظمة المتعاقبة للاستفادة منهم.

اعتمدت “وزارة التنمية الريفية” تقريبا منذ الاستقلال على خريجي “مركز التكوين والإرشاد الزراعي”، 《وهو المدرسة التي تم إنشاءها سنة 1962، وقد تم تحويلها في سنة 1978 إلى مؤسسة عمومية ذات طابع إداري أُتبعت لوزارة التنمية الريفية، وتم تغيير اسمها من “مركز” إلى “المدرسة الوطنية للتكوين والإرشاد الزراعي” ENFVA.

ظلت هذه المدرسة المؤسسة الوحيدة من نوعها في مجال التكوين الفني الزراعي لعدة سنوات، كوّنت خلالها معظم الأطر المتوسطة والقاعدية في القطاع الريفي، حيث كوّنت ما يربو على 1000 إطار وتم تدريب مثل ذلك العدد. وتم تعليق النشاط التكويني للمدرسة سنة 1995. وقد استأنفت نشاطها بعد الترميم سنة 2011.

ومن المهام الرئيسية التي اضطلعت بها المدرسة ما يلي:

– تكوين الأطر الفنية المتوسطة بمستويين، سلك (ب) و سلك (ج) لدورة تكوينية مدتها ثلاث سنوات.

– تكوين مستمر موجه لتحسين الخبرات، لمهني المجال.

– تكوين المنتجين وأعوانهم في المجال الزراعي والرعوي.

وتتلخص التخصصات المهنية للمدرسة في أربع مجالات، هي: الإنتاج النباتي والصحة و الإنتاج الحيواني وحماية الطبيعة والهندسة الريفية، وثمة مجال خامس هو الإرشاد الزراعي، الذي تدرس تقنياته في المجالات السالفة الذكر.》 وهذه الكوادر الفنية الزراعية والبيطرية من خريجي مدرسة ENFVA هي التي ظلت تهيمن بشكل واضح على وزارة التنمية الريفية إلى وقتنا الحاضر.

وهكذا تعود أول خطة للاستفادة من المهندسين الزراعيين إلى وسط التسعينات من القرن الماضي، بعد بدء توافد الطلاب المبتعثين إلى الخارج في تخصصات الهندسة الزراعية إلى أرض الوطن، حينما حاولت الدولة فرضهم على القطاع الخاص المهيمن على القطاع الزراعي آنذاك، بسبب عدم إمكانية توفير الإنفاق الحكومي لاكتتاب حملة الشهادات العليا، نتيجة التوجه الرأسمالي الذي فرضته سياسة صندوق النقد والبنك الدوليين. لكن تلك المحاولة سرعان ما باءت بالفشل، فحديثي التخرج منهم، ومن لديهم الحظوة رضوا برواتب رمزية مقابل العودة للعاصمة، والهروب من شمس شمامه الحارقة.

والذين صمموا على أداء واجب المهنة، ولبوا “نداء الوطن” نزلوا للميدان بشرف، لكن سرعان ما ضاق عمال المزارع ذرعا بتعليماتهم النظرية، وعملياتهم الحسابية، وعند الشكوى لرب العمل يتم تغليب صوت العمال، نظرا للحاجة الماسة إليهم، ونظرا أيضا لعدم معرفة رجال الأعمال الذين يمارسون الزراعة “كهواية” آنذاك بأهميته، وعليه فقد كان يتم إصدار الأوامر إلى المهندس الزراعي بضرورة التقيد بتعليمات العمال، ليبقى دور المهندس مقتصرا على إعداد الطعام، لتكون الفرصة سانحة أمام كبير العمال للانتقام من المهندس الزراعي على وشايته الرخيصة لرب العمل، وتدخله فيما لا يعنيه! ليسحب منه دور طاهي المزرعة، ويكلفه بمهمة جلب الحطب.

هذا مع محاولات خجولة لدمج المهندسين الزراعيين، تمثلت في تقسيم أراضي زراعية في فم لكليته.. وخلال العشرين سنة الماضية كانت اكتتابات المهندسين الزراعيين في الوظيفة العمومية على النحو التالي: سنة 2000 تم اكتتاب مهندسين زراعيين، وسنة 2001 تم اكتتاب مهندس زراعي واحد، وسنة 2005 تم اكتتاب خمسة مهندسين زراعيين، وسنة 2008 تم اكتتاب أربعة مهندسين. وخلال سنة 2013 و سنة 2018 تم اكتتاب بعض الفنيين الزراعيين، مع بعض التخصصات المرتبطة بالقطاع الزراعي من بيولوجيين وطوبوغرافيين وجغرافيين وغيرهم.

وقد دخل عدد قليل جدا من المهندسين الزراعيين عن طريق التعاقد أو الإعارة في المشاريع التابعة للوزارة. وما أدريك ما تلك المشاريع العملاقة من أمثال: PARIIS, PASK I, PASK II, PROGRES, PAHABO, PATAM, PDIAM, PDDO, PRODFI, PDRC وغيرها الكثير، فرغم ما يضخ في تلك المشاريع من تمويلات دولية بالمليارات من العملة الصعبة، فقد عجزت عن امتصاص البطالة في صفوف المهندسين الزراعيين، فنسبة البطالة بينهم كبيرة مع أن عددهم بالعشرات فقط. فحدث ولا حرج عن طريقة اكتتابها السمجة والفجة، وعن طبيعة من تكتتبهم، وعن إعلانات الاكتتاب التي تنشر في مواقع إلكترونية مغمورة أوغير معروفة من أجل تفويت الفرصة على المهندس الزراعي وقد كان الأولى نشر تلك الإعلانات على موقع الوزارة المعنية وصفحة نقابة المهندسين الزراعيين.. باختصار “وما خفي أعظم” لا تُعطي المقام حقه.

وقد بقي المهندسون الزراعيون على الهامش في قطاعهم الذي كان ينبغي أن يشغلوا فيه موقع الصدارة. وذلك في تطبيق مقلوب للقاعدة المعروفة التي ذكرنا آنفا: “باحث في التطوير – مهندس في التخطيط – فني في التنفيذ”. وللشرح والتبسيط للقارئ الكريم من غير المختص، نقيس القطاع الزراعي على قطاع الصحة، وعليه يكون في موقع الصدارة في وزارة الصحة والمستشفيات العمومية خريجو “المدرسة الوطنية للصحة العمومية” من الممرضين والفنيين، ويكون من يتولى إعطاء الحقن وتغيير الضمادات هم الدكاترة والأخصائيون خريجو كلية الطب والجامعات العالمية الأجنبية المرموقة.

إن هذا الواقع المأساوي من التهميش الذي عاشه المهندس الزراعي انعكس للأسف الشديد بشكل واضح على الحالة المزرية للقطاع الزراعي بشكل عام، ومخرجاته التي لم تكن تتناسب مع الأموال الضخمة التي تم ضخها فيه خلال الأربعين سنة الماضية. وانعكس أيضا بشكل خاص على ماضي وحاضر المهندسين الزراعيين، فمنهم من لجأ إلى الهجرة بحثا عن الكرامة ولقمة العيش الكريمة، ومنهم من استسلم لواقعه ولسان حاله ينشد “نرتل إن مع العسر يسرا”.

وفي هذه العهدة المباركة لفخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني استبشر المهندسون الزراعيون خيرا بالهيكلة الجديدة، التي تمخضت عنها وزارة البيطرة التي تُعنَى بجانب التنمية الحيوانية المغيب، وتشكيل وزارةٍ للزراعة عُيِّن على هرمها خبيرا ومهندسا زراعيا خَبِر القطاع، وتنطبق عليه المقولة “أهل مكة أدرى بشعابها”.

وهذا القرار التاريخي برد الاعتبار للمهندس الزراعي وإنشاء وزارة للزراعة إنما هو تجسيد صادق للتعليمات التي أصدرها رئيس الجمهورية في مجلس الوزراء بتاريخ: 7 مايو 2020، في إطار “خطة الاستجابة الوطنية متعددة القطاعات كوفيد 19″، تلك التعليمات المتمثلة في ضرورة تثمين المقدرات الوطنية، لا سيما في قطاعات الزراعة والتنمية الحيوانية والصيد البحري، وجعل هذا الخيار مرتكزا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية لبلدنا العزيز.

إننا نعول على ما وعد به رئيس الجمهورية من عزم على 《عدم التساهل مع أي شكل من أشكال الفساد أو الإخلال بضوابط الحكامة الرشيدة》 من أجل نفض الغبار عن هذا القطاع الحيوي، الذي يحتاج إلى الكثير من الصرامة من أجل غربلة كوادره البشرية، سواءً العامل منها حاليا والبالغ عددهم 905 موظفا في الوزارة التي أعيدت هيكلتها إلى وزارتين، أوالداخلين مستقبلا إليه من شوائب المجاملات والتزييف والتزوير، مع التأطير والتكوين المستمر.

وكما يقال “معرفة الداء تمثل نصف الدواء” فالاعتماد على الكادر البشري الكفؤ والمتخصص من مهندسين وخبراء زراعيين Ingénieur Agronome، وفنيين زراعيين CAP, BT, BTS, Technicien, Technicien superieur وغيرهم من أصحاب التخصصات المرتبطة، مع احترام القاعدة “باحثٌ في التطوير – مهندسٌ في التخطيط – فنيٌ في التنفيذ” يمثل الحلقة الأولى في سبيل النهوض بالقطاع الزراعي وترقيته وصولا إلى الاكتفاء الذاتي، بل وتجاوزه إلى أن يكون القطاع الزراعي مصدرا للعملة الصعبة، خاصة مع وجود المقدرات الكبيرة من الأراضي الصالحة للزراعة، والموارد المائية الهائلة، وقبل كل ذلك الإرادة السياسية الجادة.

وفي الأخير بقي فقط أن أذكركم بما بدأت به، وهو أن المهندس الزراعي يخدم في مهنة تتصل تاريخيا بأقدم المهن على وجه الارض، وأهمها وأكثرها فائدة ودعما للسيادة الوطنية، متواجدا على أرض الميدان، مرددا بفخر واعتزاز على أرض شمامة الطيبة وتحت واحات النخيل الغناء.. وبمشاعر عاطفية جياشة:

ومرعى خصيبا، وإن أجدبا سمونا، فكان لنا أرحبا

سنحمي حماك، أسارى هواك، ونكسو رباك بلون الأمل

وعند نداك نلبي أجل.. وعند نداك نلبي أجل..

محمد الكبير ولد السيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *